ابن تيمية

71

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

ومثل هذا ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث بريدة المشهور قال فيه : " وإذا حاصرت أهل حصن ، فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك " . ولهذا قال الفقهاء : إنه إذا حاصر الإمام حصنا فنزلوا على حكم حاكم جاز إن كان رجلا مسلما حرا عدلا من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد ، ولا يحكم إلا بما فيه حظ للإسلام من قتل أو رق أو فداء ، وتنازعوا فيما إذا حكم بالمن فأباه الإمام هل يلزم حكمه ، أو لا يلزم ، أو يفرق بين المقاتلة والذرية ؟ على ثلاثة أقوال ، وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لاحظ فيه للمسلمين . والمقصود أن تخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه هو تخيير رأي ومصلحة بطلب أي الأمرين كان أرضى لله ورسوله فعله ، كما ينظر المجتهد في أدلة المسائل ، فأي الدليلين كان أرجح اتبعه . ولكن معنى قولنا : يخير أنه لا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت ، بل قد يتعين فعل هذا تارة ، وفعل هذا تارة ، وقول الله تعالى في القرآن { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [ 4 / 47 ] يقتضي فعل أحد الأمرين ، وذلك لا يمنع تعين هذا في حال وهذا في حال ، كما في قوله تعالى : { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } [ 52 / 90 ] فتربص أحد الأمرين لا يمنع بعينه إذا كان الجهاد فرض عين علينا بعض الأوقات ، فحينئذ يصيبهم الله بعذاب بأيدينا ، كما في قوله : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } [ 14 - 15 / 9 ] .